الحلقة الرابعة : قافلة عربية في مطار فرانكفورت
بعد ساعات هادئة نسبيا في الطائرة وبعد أن كفت نورا عن الصراخ المباح وبعد أن استغرقت أنا في غفوة قصيرة لم أحس بطعمها ولا لذتها بسبب الأفكار المتصارعة في ذهني أعلن قائد الطائرة اقترابنا من مطار فرانكفورت الدولي وأهمية ربط الحزام استعدادا للهبوط. ورغم أننا في الوطن العربي ربطنا الحزام طويلا إلا أننا مازلنا نعاني من المشاكل والأزمات حتى ألفتنا وألفناها وأصبحنا نستغرب مرور عدة أيام دون أن نسمع خبرا سيئا أو نتلقى مصيبة كبيرة نشبع فيها لطما وتشغل حيزا في نشرات الأخبار على الفضائيات العربية، .. ولم يجد ربطنا للحزام شيئا أمام المصائب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية ، حزام أمني ، وحزام حدودي ، وحزام بطني يمنع الكرش من أن يندلق خارج البنطلون. كنت قد عبأت البطاقات التي تم توزيعها علينا في الطائرة لتسجيل الدخول إلى الأراضي الألمانية ( تعبت وأنا أعبي الكروت ستة أشخاص في عين العدو) قدت أفراد قبيلتي ، أقصد عائلتي نحو موظف الجوازات الألماني الذي ختم جوازاتنا بسرعة ودون النظر في وجوهنا. يعتقد الناس أن الألماني لا يعرف الابتسامة والمرح ويشعر أنها تؤثر على إتقانه للعمل ، هل شاهدتم في حياتكم ماكينة مرسيدس أو بي أم دبليو تضحك ؟! ، الماكينة الألمانية لا تضحك أبدا . مطار فرانكفورت وما أدراك ما مطار فرانكفوت ؟ لن أتحدث عن هذا المطار الآن وأترك الحديث عنه إلى وقت آخر ، ختم موظف الجوازات جوازاتنا وبدأت بعد ذلك رحلة المتاعب ، أقصد حمل الحقائب ، الوالدة الله يحفظها ويخليها لم تقصر في إحضار كل ما ثقل وزنه وقل ثمنه، ورد جزء من هذه الأشياء في حلقة سابقة لن أعيد سرد علب الجبن والتونة من جديد منعا للاستطراد ، وأم سلطان لم تقصر في إحضار كل ما في دولاب البيت من ملابس لنورا خوفا عليها من البرد رغم أننا زرنا ألمانيا في عز الصيف وكانت تعرف أننا ذاهبين لألمانيا وليس للإسكيمو ، وان الجليد لا يتساقط على بون في فصل الصيف ، لكن من الذي يقنع المرأة بأن الرجل دائما على حق؟! ( الجملة هذه لزوم التأكيد على سطوتي كقائد لحزب المتزوجون الأحرار!) لكم رحمت نظرات ابنتي الصغيرة نورا وهي تنظر إلي من تحت أكوام الملابس الثقيلة التي ألبستها إياها والدتها خوفا عليها من نسمة الهواء ولسان حالها يقول : أنقذني يا أبي من هذه الملابس التي تكاد تكتم أنفاسي ، ولكم أن تتخيلوا أكداس الحقائب التي تحملها ثلاث عربات من عربات حمل الأمتعة ونحن نجرها متوجهين إلى خارج المطار، نورا هذه الصغيرة ذات الثلاث أسابيع الشبيهة بالقطة المغمضة تملك حقيبة أكبر من حقيبتي أنا أبوها وولي أمرها ؟! ، إنها من عجائب الزمان.
يا حبنا نحن الخليجين لكثرة الحقائب والشنط ، وأظن أن السبب معروف ، فنحن لا نستطيع أن نستغني عن دلال القهوة والسكر والشاي والرز وكاسات الجبن لشرب الشاي ( الله يذكرك بالخير أختنا الباحثة) إذا سافرنا أخذنا معنا بيتنا وأثاثنا، وصحوننا وفناجيلنا وبهاراتنا ، وكأننا ذاهبون في رحلة للبر وليس لدولة أوروبية، وضعت الحقائب على العربات وساعدني أخي في حملها وصفها على العربة ، وفي الخارج فوجئت بأن جميع التكاسي من نوع المرسيدس آخر موديل، (راجع ذكرياتي عن التكاسي في موضوع بريطانيا) .. ما شاء الله مرسيدس في استقبال أبو سلطان ؟ لا شك أن سفارتنا في ألمانيا قد استعدت لإستقبالي بما يليق ، ثم صحوت من هذا الحلم على سؤال واقعي وهو : أي مرسيدس هذا الذي يستطيع حمل حقائبنا وأمتعتنا أنا وأهلي ؟! نحتاج إلى (قلابي) أو شاحنة لحمل كل هذه الحقائب والأنفس البشرية وليس إلى سيارة مرسيدس واحدة .
أوقفت إحدى المرسيدسات ( جمع مرسيدس) فخرج السائق منها لوضع الحقائب في السيارة ، وعندما رأى الجيش الذي يقف خلفي : أمي وزوجتي وأخي وأختي وأنا أحمل نورا على كتفي وورائي ثلاث عربات مثقلة بالحقائب عاد أدراجه إلى السيارة مرة أخرى! ، اعتقدت أن الرجل أخذ على خاطره وزعل لما شاف عدد أفراد أسرتي الذين في معيتي ، لكنه أمسك بجهاز يشبه اللاسلكي بداخل السيارة وتحدث فيه وما هي إلا ثواني وأتت سيارة مرسيدس أخرى لتقف وراء السيارة الأولى ، وزعنا أنفسنا إلى قسمين كل قسم في سيارة ، أنا وزوجتي وطفلتي الصغيرة في سيارة ووالدتي وأخي وأختي في سيارة وأنطلق الركب نحو فندقنا في بون ، فما الذي حدث عندما وصلنا إلى الفندق ؟!
ألقاكم في حلقة جديدة لمتابع سيل الذكريات فإلى لقاء قريب