إضافة رد
28 / 09 / 2007, 23 : 11 PM
رقم المشاركة :  1 
نائب رئيـس مجلـس الادارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 30
الإقامة : طيبة الطيبة - الرياض
المشاركات : 17,997
التقارير : 53
الجنس : ذكر
الحالة : Abu sultan غير متواجد حالياً
كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!

قبل أن أبدأ معكم الحكاية


إنها لمهمة صعبة أن أعود بالذاكرة إلى سنيين عديدة خلت .. وإنه لمن العسير أن يسترجع الإنسان رحلة قام بها زمن الطفولة!! .. وأنتم يا من تقرأون هذه المذكرات لا تنتظرون مني معلومات سياحية عن هذا البلد وإنما ما اكتبه لكم مجرد انطباعات رسخت في ذهني عن هذه الرحلة فأخذت مكانها بين ذكريات أخرى يختزنها عقلي أعود لإسترجاعها بين الحين والآخر إذا شعرت بالحنين لتلك الأيام الجميلة التي أعتبر نفسي فيها محظوظا بما وفرته لي من تجارب وخبرات ..أحمد الله على نعمه التي لا تحصى وأسأله تعالى أن يغفر لي ولكم ولجميع المسلمين .. ولنبدأ الآن على بركة الله وحفظه التحدث عن هذه الرحلة والغوص في بعض تفاصيل هذه الذكرى واسترجاع صور زمن مضى نسأل الله أن يوفقنا إلى الخير في الزمن الذي بقى!! لن تكون هذه الذكريات مترابطة أو متسلسلة ولكنها سوف تكون عبارة عن لقطات أو ومضات تلقي ضوءًً سريعا مختصرا على بعض التفاصيل فتعالوا معي لنتعرف على اللقطة الأولى..


28 / 09 / 2007, 24 : 11 PM
رقم المشاركة :  2 
نائب رئيـس مجلـس الادارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 30
الإقامة : طيبة الطيبة - الرياض
المشاركات : 17,997
التقارير : 53
الجنس : ذكر
الحالة : Abu sultan غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!



اللقطة الأولى: لماذا السودان ؟!


قد يتساءل البعض منكم ويحق لهم أن يتساءلوا لماذا السفر إلى السودان وهل يوجد في السودان سياحة أو فنادق أو بنية تحتية ؟! ..وأقول أن رحلتنا في عام 1981م كانت لهدف آخر غير السياحة إذ كان والدي رحمه الله قد تم تكليفه بالذهاب إلى هناك لاختيار موظفين للعمل في المؤسسة الحكومية التي يعمل بها والتي كانت مجرد قسم صغير من وزارة الزراعة والمياه سابقا ..كنت حينها صغيرا في السن ولكن عقلي كان يسجل بعض التفاصيل وذهني يخزن بعض الصور!!

لقد كان الهدف الرئيس من السفر هو إحضار موظفين للعمل في الحكومة ولا تستغربوا من هذا الأمر ففي ذلك الوقت كانت الطفرة عندنا في المملكة في عز أوجها والكثير من المؤسسات الحكومية في حاجة للموظفين فكان يتم ابتعاث أو إرسال بعض المسئولين والمدراء للتعاقد مع موظفين من مختلف البلاد العربية!! وفي جميع التخصصات بلا استثناء !!

وكان الوالد أحد هؤلاء ولأن اختياره كان يتميز بالدقة والحرص والتأكد من شهادة كل موظف يختاره وخبراته وعدم الخضوع للمجاملات والتوصيات عند الاختيار( يعني باختصار: رجل شديد لا يحب اللف والدوران!!) فلقد تم إرساله بعد ذلك إلى تونس ومصر لنفس المهمة التي أداها على أكمل وجه كما أداها في رحلتنا إلى السودان.



استغل الوالد فرصة ذهابه وتوافق هذا الذهاب مع إجازة عيد الأضحى فاصطحبنا معه لا سيما وأن الفترة لن تتجاوز العشرة أيام ..عرفت فيما بعد أن مصاريف ذهابنا معه تكفل بها من جيبه الخاص لأن المهمة كانت رسمية ولا تتكفل الدولة إلا بمصاريف الموظف فقط وما لها شغل بعائلته ..ولكنه أراد كأي أب عطوف مشفق أن يدخل السرور على عياله ويجعلهم يتعرفوا على أماكن جديدة لكي تتوسع مداركهم وكان محقا في ذلك كل الحق! .. لم يكن مطار الملك خالد الدولي قد تم افتتاحه بعد وكان المطار الذي سافرنا منه هو المطار الذي يعرف الآن بمطار القاعدة الجوية وكان يسمى في السابق مطار الرياض..

أقلتنا الطائرة السعودية ظهر ذلك اليوم إلى مطار الخرطوم الدولي وأتذكر أننا عندما اقتربنا من المطار لم تفارق عيني النافذة وأنا أحاول أن أرى بعيون طفل صغير ما هي هذه الخرطوم التي يتحدثون عنها وهل تشبه خرطوم الفيل الذي شاهدته في التلفاز؟! ..كنت أحاول أن أخترق بنظري الصغير بعض قطع السحاب المتناثرة هنا وهناك كقطع من القطن المنفوش لعل عيني ترى شيئا داخل تلك السحب الصغيرة أو لعلي أجد نهاية الشجرة التي تؤدي إلى بيت العملاق كما كنت أقرأ في قصص الأطفال تلك القصص التي كانت تعطي رسائل معينة ترسخ في ذهن الطفل بلا شعور وقد تؤدي إلى عواقب وخيمة إذا أهمل الوالدين متابعة طفلهما دون شرح أو توجيه لما يشاهد أو يقرأ أو يسمع !!





كان أحد أقربائي يعمل طيارا وقد حضر لي مفاجاءة عرفتها بعد ان أقلعت الطائرة بقليل!!
إذ تحدث مع زميله الذي كان يقود رحلتنا للسماح لي بالحضور إلى كابينة القيادة والتعرف عليها من الداخل! ..كانت لحظات سعيدة عندما جاءني المضيف وقادني إلى كبينة الطائرة لكي أجد الكابتن يرحب بي ويشرح لي عمل بعض الأجهزة والأزرار!!






هل يتجرأ طفل الآن على دخول الكابينة بعد الحادي عشر من سبتمبر؟! سيفاجأ بالأبواب المصفحة وكأنه أمام ثكنة عسكرية في زمن انعدم فيه الأمن وغطى الطالح على الصالح!! ..أتذكر أنني شاهدت حينها من الطائرة منظر قرية صغيرة تقبع بأكواخها قريبا من النيل أكواخ متواضعة من الخوص متقاربة في أشكالها بسيطة في بنائها لا يوجد بينها كوخ يختلف عن البقية أو يحتوي على ملحق أو مسبح أو غرفة للسائق!! كان ذلك المنتظر هو أول منظر تقع عليه عيناي عند اقترابنا من مطار الخرطوم!



ظهر لي المدرج شيئا فشيئا والطائرة تنزل بالتدريج من طبقات الجو العليا لكي تقترب من الأرض التي يمكن رؤيتها بوضوح في ضوء النهار!!





هبطت الطائرة واتخذت موقعها على أرض المطار ثم توقفت على بعد أمتار قليلة من صالة الدخول.. أتذكر أن المطار لم يكن مزدحما ورأيت طائرة سودانية واحدة فقط رابضة بلا حراك قريبا من طائرتنا أم باقي الساحة فخالية تماما من أي جسم معدني طائر أو يشبه الطائرة!!






مازلت أحاول التعبير عن دهشتي عندما وجدت أن المسافة بين مدخل الصالة والمخرج لا تتعدى بضع أمتار كان المطار صغيرا جدا ولم تكن أعداد المسافرين كبيرة رغم أن الموسم موسم حج أو لعل القادمين إلى الخرطوم في تلك الأيام ينسلون من أماكن أخرى غير المنافذ الجوية لا أدري ولكن الذي أتذكره أن قليلا من الأشخاص شاهدتهم ينزلون من طائرتنا التي كانت شبه خالية!! تم تختيم جوازاتنا بختم الدخول بمجرد دخولنا إلى الصالة وبعدها وجدنا حقائبنا بانتظارنا.

لا أعتقد أن والدي كان حينها من كبار الشخصيات ليحظى بمثل هذه المعاملة الخاصة ولكن خلو المطار من الازدحام ساعد على سرعة إنهاء إجراءات الوصول!! قد تندهشون بأنني وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر بشوق وحنين جارف لزيارة السودان بعد كل هذه السنوات!!..السودان التي رأيتها بعيني طفل أريد أن أراها بعيني رجل وهل لا زالت تحتفظ بتلك الصورة التي رأيتها عليها في ذلك الزمن البعيد؟!..
28 / 09 / 2007, 25 : 11 PM
رقم المشاركة :  3 
نائب رئيـس مجلـس الادارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 30
الإقامة : طيبة الطيبة - الرياض
المشاركات : 17,997
التقارير : 53
الجنس : ذكر
الحالة : Abu sultan غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!


اللقطة الثانية : فندق خمس نجوم في الخرطوم!!


في الحقيقة لا أتذكر اسم الفندق الذي سكنا فيه عندما وصلنا وحتى الوالدة عندما سألتها عن اسمه أثناء تحضيري لكتابة هذه المذكرات لم تسعفها الذاكرة بعد كل هذه السنين ولكني أتذكر أنه كان يقع مباشرة على النيل وعندما بحثت عن فندق يقع على النيل في الإنترنت لم أجد إلا فندق الهيلتون!! وإذا كان هذا الفندق موجود في ذلك الوقت فبالتأكيد سوف يكون هو الذي سكنا فيه لا سيما وأن صورة المبنى تتوافق مع الصورة المطبوعة في ذهني عن منظر الفندق من الخارج!!






كان الفندق يحتوي على حديقة من أجمل ما رأيت!! ..أعتقد أن الحديقة تحول جزء كبير منها إلى مسبح حسب الصور التي شاهدتها عن فندق هيلتون الخرطوم لو كان هو نفس الفندق الذي سكناه قبل خمس وعشرين عاما!! .. ملاحظة عابرة : أبا سلطان ما زال شابا !! .. وكنت آتي أنا وأختي الصغيرة أحيانا إلى هذه الحديقة لكي نستمتع بشرب عصير (المنجا) في هذا الجو الهادئ الجميل!! .. (المنجا) السودانية الحقيقية الأصيلة وليست تلك التي تأتينا هنا في أسواق الرياض والمليئة بالألياف عديمة الطعم والرائحة!!


من قال إن الأطفال لا يستمتعون بالطبيعة ويبحثون دوما عن الألعاب ومدن الملاهي؟!! .. أطفال هذا الزمن زمن (البلاي ستيشن) فقدوا القدرة على التمتع بالطبيعة ومنظر العصافير والطيور وهي تتخذ مواقعها بين أغصان الشجر عند غروب الشمس أو تتقافز هنا وهناك فرحة بتوفر الغذاء الوفير!! .. فقد بعض أطفالنا متعة التعرف على الطبيعة في ضوء النهار وأعمتهم ألوان الليل المضيئة عن رؤية شمس الشروق أو الغروب وفشل الكثير منهم في التعبير بالكلمات عن منظر الطبيعة والبحر في حصة التعبير!!







إنني وأنا أحدثكم الآن أحاول أن أتخيل منظر هذه الحديقة التي كنا نجلس فيها ونلعب ونمرح وكأني أراها عيانا بيانا في التو واللحظة كان كل شئ حولنا يبعث على السعادة والفرح والسرور والانشراح والحبور وكل المعاني الجميلة!! ...







تقولون أننا كنا في ذلك الوقت أطفالا لا يشغل تفكيرنا شيء أقول لكم انظروا لأطفالنا الآن وسرعة شعورهم بالملل من أي مكان يجلسون فيه!! .. نعم طوال وجودنا في السودان لم نرى ألعابا للأطفال ولكننا أنا وأختي الصغيرة كنا نستمتع بكل لحظة تمر ويسترعي انتباهنا كل منظر مألوف أو غير مألوف!! .. كانت ذكريات جميلة قضيتا فيها أوقاتا ممتعة ..
28 / 09 / 2007, 26 : 11 PM
رقم المشاركة :  4 
نائب رئيـس مجلـس الادارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 30
الإقامة : طيبة الطيبة - الرياض
المشاركات : 17,997
التقارير : 53
الجنس : ذكر
الحالة : Abu sultan غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!


اللقطة الثالثة : مقارنة بين نهرين !!



كان يوجد في الفندق محل لبيع الهدايا وكان يحتوي على أمور لم أرها في حياتي من قبل ..
فهناك جلود الحيوانات والميداليات المصنوعة من جلد التمساح أو الغزال والغزلان الكبيرة المحنطة والرماح والسهام وقرون الجاموس المنحوتة على أشكال مختلفة وأنياب السباع وكل ما له علاقة بأفريقيا وقارة أفريقيا يمكن أن تتخيله أو تفكر فيه !! .. وكان السياح الغربيين يدققون النظر في كل سلعة بكل إعجاب وانبهار لم أكن أتخيل كيف يستطيع السائح أن يحمل معه غزالا محنطا عائدا إلى بلده كتذكار!! .. ومن فرط إعجابي بالمعروضات صورت أختي الصغيرة وهي تقف أمام المحل بعد أن سحبت الكاميرا من أبي وهو جالس في بهو الفندق يتحدث مع أحد الأشخاص فيما والدتي تجلس في مكان منزوي تقرأ جريدة !! ..






لن تلاحظوا في الصورة معروضات كثيرة لأن أغلب المعروضات بالداخل .. وإذا دققتم النظر سوف تجدون صف من الأسنان البيضاء ظاهرة في الصورة لصاحب المحل وهو يبتسم!! ..


كنت في أحيان كثيرة أجلس في بهو الفندق وأنا أقلب النظر في كل ما حولي باندهاش فتى لم يرى كل هذه الألوان من البشر في مكان واحد بداية من اللون الأبيض الشديد البياض وانتهاء باللون الأسود الشديد السواد .. مع جميع الدرجات التي تقع بين هاذين اللونين تراها في فندق واحد وأحيانا يجلسون على طاولة واحدة .. كانت الخرطوم ملتقى لجميع الألوان والأجناس!! .. نعم إنها السودان أكبر بلد عربي من حيث المساحة وسلة الغذاء العربي التي جفت مع الأسف أو كادت أن تجف!! .. كانت الغرفة التي سكنا فيه تطل على النيل مباشرة .. وهذه صورة أخرى ناجية من المذبحة الفتوغرافية والتي تم التقاطها لي أنا وأختي بجانب شرفة الغرفة التي سكنا فيها!! ..





والغرفة كما تشاهدون تطل على النيل مباشرة .. هذا النيل المظلوم بالتلوث وعدم الاهتمام!!..أقارن بين النيل الذي رأيته في السودان الممتليء بالبعوض والذي تنبعث منه في بعض المواقع رائحة منفرة وبين نهر الراين الذي رأيته في ألمانيا!! .. ولا أدري هل أقارن بين النهرين أو أقارن بين البلدين والله المستعان!!









كان النيل بلونيه الأزرق والأبيض الذي شاهدته في السودان على الرغم من كل ما يعانيه من تجاهل نهرا عظيما لا يسعك إلا أن تقف أمام روعته بكل وقار وسكينة متأملا عظمة الخالق عز وجل!! .. لا أدري عن واقع النيل الآن ولكن أتمنى أن لا يكون حاله كحال نهري دجلة والفرات!!!!!! .. كان من المفترض أن يزور أبي جامعة الخرطوم في اليوم التالي .. لذلك تعشينا في الفندق ونمنا وأنا مبيت النية والعزم على الذهاب معه إلى هناك ..
28 / 09 / 2007, 27 : 11 PM
رقم المشاركة :  5 
نائب رئيـس مجلـس الادارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 30
الإقامة : طيبة الطيبة - الرياض
المشاركات : 17,997
التقارير : 53
الجنس : ذكر
الحالة : Abu sultan غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!


اللقطة الرابعة : في زيارة لجامعة الخرطوم!!


حضر إلى الفندق في اليوم التالي من وصولنا إلى السودان قريب لأحد أصدقاء الوالد من السودانيين والوالد يكن للسودان والسودانيين كثير من المودة والحب والاحترام وكان يراهم صادقين في مشاعرهم ودودين في علاقاتهم بعيدون عن الاستغلال والمداهنة وأحتفظ له في مكتبتي بصورة تجمعه مع بعض زملائه في العمل .. مر هذا الصديق بالفندق واصطحب والدي للقاء أحد الموظفين أو المحاضرين في جامعة الخرطوم ولعله كان يريد استشارته في اختيار بعض المتميزين من خريجي الجامعة في تخصصات تحتاجها الدولة للعمل في الرياض .. لا أعرف ولا أتذكر الحوار الذي دار بينهما ولكن الذي أتذكره أنني أصريت ( وألحيت!!) على الذهاب مع والدي ومرافقته وكان سلاح البكاء والصراخ هو السلاح الفعال الذي أقنعه بالموافقة على اصطحابي معه لجامعة الخرطوم!!








وصلنا إلى الجامعة وكان الطلاب يملئون ساحاتها وممراتها وقاعاتها التي كنت تستطيع رؤية المحاضر فيها وهو يتحدث إلى الطلاب شارحا علما من العلوم أو ذاكرا لطرفة تكسر جو القاعة الكئيب!! بعد السلام والترحيب جلس والدي يتحدث مع الرجل وأنا أنظر من النافذة وأحاول التعرف على المكان الذي يطلقون عليه اسم الجامعة!!

بعد فترة شعرت بالملل فالحديث بين والدي والرجل طال والطفل لا يحتمل الجلوس بلا حركة فأخذت أتململ في جلستي وأنظر حينا إلى والدي وحينا إلى الرجل وأنا أتمنى أن تنتهي هذه المحادثة بسرعة!! .. وأخيرا نهض الرجل وعرض على أبي أن يصحبنا في جولة للتعرف على الجامعة ..أخذنا نتجول في أرجاء الجامعة ثم توقفنا أمام مكان شبه مزدحم اتضح فيما بعد أنه المكان الذي يتناول فيه الطلبة وأعضاء هيئة التدريس طعامهم!!


أخشى أن أتمادى في شرح قذارة المكان فيساء فهم كلامي ولكني بعقلية الطفل الصغير شعرت بالاشمئزاز من طريقة تقديم الطعام والشراب في هذا المكان الذي يقال له مطعم!! وسوف أشرح لكم ما الذي رأيته .. رأيت برميلين من البلاستيك بلونين مختلفين الأول لونه أخضر وكان به سائل قيل لنا فيما بعد أنه عصير ليمون!! .. والبرميل ( أو السطل!!) الآخر لونه برتقالي أو أحمر لا أتذكر بالضبط فيه سائل قيل لنا فيما بعد أنه عصير برتقال!! وكان يوجد عامل عند هاذين البرميلين شديد سواد الجلد شديد سواد الثياب من شدة القذارة!! .. وكان هذا العامل ممسكا بكأس من البلاستيك ويقوم بتغطيس إحدى يديه في أحد البرميلين ويعبأ الكأس بالعصير ويناوله للطالب!! وبعد أن ينتهي الشاب سيئ الحظ من شرب العصير يرمي بالكوب في حوض بلاستيكي مملوء بالماء وينصرف شاكرا ممتنا!! .. فيأتي العامل ويتناول أحد الأكواب من الحوض ويملئ به العصير لطالب آخر وهكذا دواليك .. يختلط الماء الذي أصبح لونه داكنا من كثرة ما يرمى فيه من أكواب لتنظيفها!! بالعصير بما يتساقط من يد العامل الذي يقلب العصير في البرميل بيده العارية ممسكا بالكأس ليملئها من جديد في دورة متتالية من انتقال الجراثيم من شخص إلى آخر!! .. قدم الرجل الذي يرافق والدي كوبا من العصير على سبيل الضيافة فاعتذر الوالد متعللا بأنه يعاني من حموضة بالمعدة ويخشى أن يزيدها العصير سوءا!! ..

وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن الذي يزور بعض الدول الأفريقية الفقيرة ( كثير من الدول الأفريقية فقيرة!!) لا يتوقع مقدارا من النظافة كالذي يجده في بلده ..السودان كغيره من بلدان أفريقيا يعاني الكثير من سكانه من فقر وجوع والبعض منهم لا يملك ما يستر به نفسه فضلا عن أن يهتم بنوعية الوعاء الذي يشرب فيه!! ..ولكن هناك أمر لا عذر لأحد مسلم فيه سواء كان فقيرا أو غنيا ألا وهو نظافة المكان ونظافة الجسد إضافة إلى نظافة القلب والسريرة!! .. الفقر ليس عذرا للقذارة ولا يوجد دين حض على الطهارة والنظافة كدين الإسلام وسوء التطبيق يأتي منا نحن ..انظروا إلى بعض شوارعنا .. بل انظروا إلى بعض تصرفاتنا في الرحلات البرية وكيف نلقي بالقاذورات يمينا وشمالا وكأننا ننثر الفل والياسمين وأكاليل الورود والرياحين والمسك والعنبر!!

تخرج أنت وأهلك لقضاء بعض الوقت بين أحضان الطبيعة أو فوق الكثبان الرملية أو على شاطئ البحر فتجد المكان يعج بالعلب الفارغة والمناديل المتناثرة وبقايا الطعام وأنواع الأذى والقاذورات وكأن الناس يستمتعون بتوزيع هذه الأشياء ذات اليمين وذات الشمال بكل حب ومودة!! .. نظافة القلب تنعكس على نظافة الجسد فاعتبروا يا أولى الأبصار!!











هذا التجاهل لبعض ما يحثنا عليه ديننا جعل الآخرين يتهمون ديننا ولا أقول يتهموننا نحن فقط بكل نقيصة!! ..الصورة النمطية للعربي في الأفلام الغربية تعرفونها ولا أحتاج إلى شرحها!! .. ولكن الفيلم الوحيد الذي كسر هذه القاعدة وأظهر العربي المسلم بمظهر الإنسان المتحضر هو فيلم شاهدته بالصدفة قبل فترة وكان عنوانه : المحاربين الثلاثة عشر (The 13th warier) وهو مأخوذ بتفاصيله من أحداث رواية من أعجب ما قرأت عنوانها ( أكلة الأموات) .. ترجمها إلى العربية السفير والأديب المغربي أحمد عبد السلام البقالي.. بطل الفيلم ممثل أسباني الأصل أمريكي الجنسية اسمه : أنطونيوا باباندرياس وشارك معه الممثل عمر الشريف في دور ثانوي..

كان الفيلم يصور مقدار التحضر الذي وصل إليه العرب من خلال رحالة عربي وصل إلى الدول الاسكندنافية واختلط (بالفايكنج) وهم قبائل همجية كانت تستوطن تلك المناطق والتي تضم السويد والنرويج وغيرها..في مشاهد كثيرة من الفيلم كان يتم تصوير هذا العربي المسلم واسمه أحمد بن فهلان بأفضل صورة وكيف يستطيع القراءة والكتابة فيما هؤلاء الهمج من (الفايكنج) القذرين يعتبرونها نوع من الأعمال السحرية .. وكيف كان يخط لهم الشهادة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله على الرمل في محاولة منه لشرح رسالة الإسلام.. وكيف كان يرفض أن يوضع له بول البقر لمعالجة جروحه حسب تقاليدهم وهو النظيف الطاهر الذي يتوضأ ويغتسل بالماء كل يوم وليلة!! .. وكيف أنقذ طفلة من بين براثن الوحوش فيما البقية من (الفايكنج) يتفرجون!! .. صورة جيدة وضحها الفيلم وإن كان الأمر لا يخلوا من بعض المناظر المؤذية والكلمات المقززة!!..

الرواية التي أقتبسها الفيلم موجودة عندي وعنوانها مغامرات سفير عربي في اسكندنافيا منذ 1000عام لعلي أحدثكم عنها في موضوع مستقل!!.. لأنها أول مخطوطة تحكي عن اتصال بين العرب المسلمين وبين أرض اسكندنافيا التي تبعد عنا آلاف الأميال.. الشاهد من هذا الكلام أن الفيلم ركز كثيرا على نظافة الرجل المسلم مقابل قذارة الفايكنج ووثنيتهم..


كان المطعم الذي رأيته في جامعة الخرطوم يرسم مع الأسف صورة قاتمة في صرح من المفترض فيه أن يكون مثالا للنظافة .. إنها من الصور القليلة جدا التي لوثت الذكرى الجميلة التي أحملها عن السودان .. صورة قذارة ذلك المطعم الموجود في منارة كبيرة لنشر العلم والمعرفة والتي تعرف بجامعة الخرطوم!!!!
28 / 09 / 2007, 49 : 11 PM
رقم المشاركة :  6 
علي السعد
{ مـؤسـس }



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 23 / 06 / 2007
رقم العضوية : 5
الإقامة : أبوظبي - حرسها الله
المشاركات : 18,761
التقارير : 48
الجنس : ذكر
الحالة : abu_elyazia غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!

سلامي عليك يا زعيمي ،،، موضوع جميل جدا وذكريات رائعة ،،،، عن بلد ،،، قلما يُكتب عنه ،،، مظلوم سياحيا وإعلاميا .

عندي تعليقات كثيرة ،،، بس الوقت متأخر ،،،

لي عودة يا زعيمي ،،، للتعليق بعد إذنك ،،،


(كان من زمان يالباب العالي)

زاد المسافر ،،، زاد كل مسافر


زاد المسافر ، حيث نلتقي على محبة ، وآخاء ومودة ، حيث لا تجمعنا مصلحة دنيوية ، نكتب ، نستمتع ، نتعارف في جدود الأدب والأخلاق ، نفتخر بوجود أمثالكم بيننا ، فنحن منتدى النخبة ، ومن يسجل معنا ، ويشارك ويساعد ، هو من النخبة بلا شك


زاد النخبة



بعض المواضيع الجديدة



29 / 09 / 2007, 10 : 12 AM
رقم المشاركة :  7 
مــراقـب عـام
{مؤسس}



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 44
الإقامة : زاد المسافر
المشاركات : 56,705
التقارير : 7
الجنس : ذكر
الحالة : أبوعبدالعزيز غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!

ما شاء الله تبارك الله

عشت الرحلة معك بحذافيرها

*شدتني التماسيح المعلقة بالصورة قبل صف الاسنان

حتى قاعد اتخيل العامل اللي يعبي لهم العصير:ranting:

مستمتعين معاك يابو سلطان .
29 / 09 / 2007, 42 : 01 AM
رقم المشاركة :  8 
عضو مجلس الإدارة



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 26 / 06 / 2007
رقم العضوية : 82
الإقامة : الــــكـــــو يــــت
المشاركات : 48,648
التقارير : 7
الجنس : ذكر
الحالة : ناصر كويتي غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!

ماشاء الله بوسلطان ذكريات جميله وصور روعه عن بلد مانعرف عنه اي شي للاسف


وتقول اني شايب بعد وانت سافرت قبل لا ينبني مطار الملك خالد كل الشكر لبوسلطان والله يستر من التعليقات من اللي انت خابرهم
المواضيع الموجودة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ويتحمل مسؤوليتها فقط ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع زاد المسافر
29 / 09 / 2007, 01 : 03 AM
رقم المشاركة :  9 
{ مــؤسس }



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 23 / 06 / 2007
رقم العضوية : 11
الإقامة : kuwaity and my heart with ....
المشاركات : 6,776
التقارير : 5
الجنس : ذكر
الحالة : الباب العالي غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!



ماشاءلله يابو سلطان هذه المواهب طلعت

ومو غريب يالغالي ولو تحمل الصور على الموقع راح يكون افضل بكثير

يالغالي
29 / 09 / 2007, 37 : 10 AM
رقم المشاركة :  10 
(عـمـيـد أوروبــا )



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 46
الإقامة : الريـاض
المشاركات : 6,341
التقارير : 81
الجنس : ذكر
الحالة : آخر الفرسان غير متواجد حالياً
رد: كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان!

ماشاء الله تبارك الله
الذكريات الجميلة اينما كانت لاتنسى ابداً
وهاهو قائدنا المقدام يروي لنا تجربته في بلاد اضحينا نتمنى ان يعود اليها الأمان والاستقرار
أن ينصر دينه فيها ويعلي كلمته

تحياتي ابا سلطان
سبحان الله وبحمده ... سبحان الله العظيم

Twitter
@abomshary_1
إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
طيران ناس تضيف وجهة ثالثة للسودان رضاء زاد المسافر للأخـبـار الـسـيـاحـيـة 7 11 / 12 / 2014 30 : 09 PM
لو ماكان معاي سياره بهالاماكن سميه بوابة الأسـتـفسارات عن الـمـانـيـا 5 13 / 12 / 2012 45 : 04 PM
كان ياما كان في قديم الزمان A.Alameer زاد المـسافـر للكاميرات والـتصوير 12 02 / 11 / 2010 40 : 12 AM
[تقرير مصور ] كان يا ماكان رحلتي للسودان في قديم الزمان! Abu sultan زاد المسافر إلى باقي الدول العربية 52 29 / 01 / 2010 00 : 02 PM


المواضيع ، تعبر عن رأي كاتبها ويتحمل مسؤوليتها فقط ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة ومنتديات زاد المسافر .