شبكة ومنتديات زاد المسافر / زاد المسافر الاوروبية / زاد المسافر الى فـرنــسـا

إضافة رد
14 / 03 / 2008, 49 : 05 PM
رقم المشاركة :  1 
{ مـؤسـس }



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 22
الإقامة : السعودية
المشاركات : 3,254
التقارير : 15
الجنس : ذكر
الحالة : نسيم نجد غير متواجد حالياً
·~-.¸¸,.-~باريسيات ( الحلقة الأخيرة ) ·~-.¸¸,.-~










·~-.¸¸,.-~باريسيات ( الحلقة الأخيرة ) ·~-.¸¸,.-~



في باريس ... خرجت مبكراً جداً , و قررت أن أزور الغابة القريبة من أطراف باريس , و لا أعلم هل هي غابة فانسن أو بلونيا . خرجت و بيدي خارطة تبين الطريق الموصل إليها , فدخلت أولها و نعمت بأجوائها الرائعة , فلا تسمع إلا حفيف الأشجار , أو زقزقة الطيور , أو خرير المياه المنساب من الجداول , أو أنفاس رياضي ثائر .وضعت باريس في الجهة اليمنى , و الغابة في الجهة اليسرى , ثم تعمقت بوسطها , و بعد أن وصلت إلى قلب الغابة أحسست و كأني بوسط لعبة المتاهات , تقاطعات غريبة , و أغصان الأشجار متماسكة . و الأرض بالمياه مبتلة . فدب الخوف في صدري , و لكن يصبرني و يربط على قلبي , عندما تنعشني القطرات , و تتسلل إلى رئتي نسمات الهواء الصافية النقية , فصدقت التسمية عن هذه الغابة " مصنع الأكسجين لباريس "...

في باريس ... شققت طريقي في وسط تلك الغابة , و كانت الأرض تخفي لي تحت أوراق الأشجار المتساقطة الكثير من بقع المياه الراكدة . و لم أختر الملابس و الأحذية المناسبة لخوض تلك التجربة , فتبللت الثياب و اكتشفت تهريباً خطيراً في جلدة أحذيتي حتى تبللت جواربي . كنت أنظر لمن حولي فلا أجد مد النظر إلا أشجار متماسكة و أرضية مكتسية بالأوراق اليابسة , و سماء مظلمة , و من تحتها سحب كثيفة , و يخيل إلي أن هناك شيء ما سوف يخرج لي من بين تلك الأشجار . أو هكذا أتوهم , أو رسمها عقلي , أو نسجتها أفكار الخوف التي أملاها علي عقلي .

في باريس ... تعتبر تلك الغابة ملاذاً للمجرمين و اللصوص في العصور الغابرة , أو قطاع الطرق أو الهاربين من الأحكام في العصور الفائتة , فكان فكري يقول كيف سأنجوا منهم ؟ و هل سوف يصدقون أنني قدمت من أطراف نجد لأخوض مثل هذه المغامرة , مغامر سماع أصوات الطيور المهاجرة , أو هل تعتقدوا أنهم سوف يصدقون أنني استيقظت من الفجر في هذا الشتاء القارس من أجل عيون أخوة لي ينتظرون مني تقريراً مفصلاً عن غابات باريس القريبة . و لكن قطع علي حبل أفكاري أن بان نور من بعيد , فكأنه يلوح لي بالنجاة , فآثرت ترك المغامرة لمن هم أهلُ لذلك و آثرت السلامة .

في باريس ... " لا تحمل هم الأناقة بزيادة " , فأهل باريس تبدوا منهم الأناقة بدون تكلف , و يظهرون بأشكالهم الطبيعية , بل إن اهتمامهم بملبسهم يقل عنا , و لكن يجملهم ما وهبهم الله من جمال المظهر , فأصبح أي لبس يظهرهم بمظهرٍ رائع . أما نحن فنشتري أغلى الملبوسات , و نختارها بعد تدقيق و تمحيص , ثم نقارن بينها و ننسقها , و نتفاجأ أنه لا تعجبنا بعد أن نلبسها , و نلوم كل من حولنا ’ و لا نعلم أن العيب ليس فيها , بل إننا نحن لم نخلق لها . فرأيي ..أن تكون بسيطاً ...و لكن لا يفهم من كلامي أنني أدعو أن يكون المرء مهملاً لمنظره , رثاً في ملبسه , بل الوسطية هي النجاة , و الاعتدال هو المطلب , و الاختيار المتناسب و بغض النظر عن السعر هو من سوف يزيد من جمال منظرك .



في باريس ... هناك حافلات سياحية تأخذك بجولة على أهم معالم باريس , و هناك نوعين من التذاكر .تذكرة تنتهي بيوم واحد , و تذكرة تستخدمها لمدة يومين , و لك أن تقف في أي معلم ثم تستخدم أي حافلة من حافلات الشركة السياحية التي تمر بتلك المعالم .



في باريس ... من سوء حظك أن تأخذ رحلة سياحية عبر الحافلات في يوم ممطر , فجمال الرحلات السياحية أن تصعد إلى الدور المكشوف من الحافلة ,و تستمتع بهواء باريس , و تعيش لحظات تاريخية بين معالم باريس العالمية .و تحس أنك سائح عندما تمر بجمع سياحي عبر حافلة أخرى فتسمع كلمات الترحيب و تبادل التحايا من بعيد..فالنغمات السلامية مستمرة ..هاي هاي ..و شلونكم عساكم طيبين .


في باريس ... ركبت الحافلة السياحة في وقت مبكر – كل برنامجي بوقت مبكر - , و اخترت السقف المفتوح كخيار مفضل للمشاهدة و التصوير . و لكن الأمطار كانت تغازلني كل حين , فأهرب منها ثم أعود على عجل عندما تتوقف عن التساقط .



في باريس ... مررنا بساحات كثيرة , و بميادين عظيمة و بأماكن مختلفة و قصور شاهقة . حيث بدأت الرحلة من قوس النصر في ساحة شارديجول , فقطعنا جادة الشانزليزية , بإتجاه ساحة الكنكورد و حدائق التويلري الموجودة بالقرب منها . و تركنا خلف ظهورنا جادة لاجرانت أرمي و التي تمتد إلى الأديفانص خلفنا . هذه بداية الرحلة و هنا تكون أيضاً النهاية .



في باريس ... كنت أخرج مع الطيور في البكور و أعود معها وقت الغروب , برغم أننا في فصل الشتاء و متأكد أن أغلب الطيور قد غادرة باريس مهاجرة لتبحث عن الدفء , و لكن مجازاً أقول ذلك . أخرج أول الناس من غرفتي و أعود أيضا أول الناس إليها . ففي فترة المساء و عندما تغلق المحلات أبوابها , عندها أرى أن باريس قد أوصدت أبوابها في وجهي , فيحسن بي أن أذهب إلى مطعمي , و أطلب بيتزا كبيرة جداً تتناسب مع عدد الكيلوات التي قطعتها مشياً على أقدامي .


في باريس ... الناس هنا قد جاءوا ليبتسمون , فهنا كل الناس تلوح على وجوههم السعادة , و هذا ليس بمستغرب , فهذا الوقت هو وقت أعيادهم , و هم يحتفلون في وسط مدينتهم المفضلة . لذا لا تقبل باريس بأي صاحب تكشيرة .



في باريس ... فندقي نظيف جداً و أيضاً منظم , فكأنه لم يسكن , بل الأثر الوحيد الذي يظهر من بعدي و من قبلي أنه مسكون أن اللحاف قد أبعد شيئاً قليلاً أثناء نومي . و ذلك لأنني أخرج مباشرة بعد أن أستيقظ , و لا أعود إلا لأصلي ، و أغير ملابسي , و أنتعش بدش يعيد لي طاقتي لأبدأ من جديد باكتشاف باريس التي طالما سمعت عنها .

في باريس ... مررنا باليزأنفاليد حيث يحتوي على مجمع من القصور و المتاحف و دار عجزة و قبة مذهبة هي الأجمل من القبب المنتشرة بالعاصمة الفرنسية , و بالإضافة إلى ذلك هناك المدفعية و التي قد صفت على مدخله , يستخدم بعضها في المناسبات الهامة .



في باريس ... أهم محتويات اليزأنفاليد قبر نابليون و عائلته . و المجمع يفتح في أوقات محددة من السنة . - نرجو عدم السؤال عن لم أزره و لم يتسنى لي النظر إلى قبر نابليون الذي أشغل العالم -



في باريس ... المعهد الإسلامي (وفيه أكبر مساجد باريس) ، ومعهد العالم العربي.. وفيه مخطوطات قيمة , و تقام فيه ملتقيات عربية و ثقافية , و احتفالات عامة . و بجوارهما حديقة النباتات الرائعة و معروضات معدنية و حديقة حيوانات . و هذه المعرض أيضاً لم يتسنى لي أن أزورها .


في باريس ... بحثت عن المحلات المشهورة للماركات العالمية للملابس الرجالية , و ذلك وفاءً لتوصية من أحد الأصدقاء , الذي أوصاني أن أزور محل الماركات الفلاني . حيث قال أنه يحتوي أجمل و أرقى الملبوسات العالمية من قمصان و بناطيل . و لقد سألت الصديق العزيز فقلت له : و مالذي يميز الماركات عن غيرها من المحلات العادية , و خاصة أننا نحن عرب و قلما نلبس تلك الملبوسات إلا بالسنة مرة أو مرتين , و لو كان البحث عن الماركات من الجزم لقلت أن الطبية هي حاجة ملحة و قوية , و لكن قمصان و بناطيل ماركات هذا شيء فيه نظر . فقال أن فيها أشياء كثيرة رائعة سوف يأتي وقت مناسب لأحدثك عنها , و من حسن حظي أنه لم يأتي هذا اليوم...و لم افرح يومُ بجهلي إلا تلك الساعة . وسوف يأتي يوم بإذن الله أحدثكم عن مكانتها و مميزاتها عندما يحدثني صديقي عنها . أعلم أن فضول البعض قد يقول ...هل اشتريت له ما طلبه , فأقول : لقد سألت عن الماركات التي طلبها , فكانت الأسعار متقاربة . فنجوت من مضيعة الأوقات لتتبع الموضات .

في باريس ... لم أكن يوماً من الأيام مهتماً بالتاريخ الأوربي الحديث أو القديم , لذا لم يكن يلفت انتباهي جورج الخامس أو جورج السادس , أو حتى جورج الثلاثون , و لم أعقد حاجبي أبداً لا متهولاً أو مستغرباً عندما أرى تمثال فليب و قد حسر عن صدره و أمتشق سيفه و هو يقف بجانب فرسه , و لم تكن تتحرك نفسي مثقال ذرة عندما أرى نابليون و قد لبس لابة الحرب , لم أكن مهتماً بذلك لذا كانت التماثيل التي تمر علي أو أمر عليها لا تستوقفني , و كنت أتململ من توقف الحافلة السياحية حولها , أو شرح المرشد السياحي عنها , لذا لا تنتظروا مني أن أعرض عليكم كيف تحولت فرنسا تاريخياً , أو كيف نشأ القصر الفلاني , و كيف أنقلب عليه جورج الثاني .



في باريس ... تذكرت رواية الأيام و طه حسين , و كيف انتقل من حياة القرية ثم القاهرة ثم فجأة يجد نفسه في باريس الفرنسية , و كيف درس في جامعة استوربون و تعرف على فتاة عشقها من صوتها و أعجب برقتها و هي التي كانت تقضي معظم وقتها بطباعة بحوثه التي يقدمها , و في أحد إجازاته التي قضاها في بيت أهل تلك الفتاة في الريف الفرنسي , تقدم لخطبتها , فلم توافق مباشرة , و لكن بعد فترة أبدت رغبتها بالاقتران به . هناك تذكرت ..رحلة البعثة المصرية الأولى بقيادة رفعة الطهطاوي , و كيف كانت التحولات و كيف انقلبت الموازين على المبتعثين . هناك عشت لحظات البؤساء , فلا زالت بعض لحظات تلك الرواية أعيشها لحظة بلحظة , و دقائق محاكمة التاجر الكريم من قبل التاجر اليهودي اللئيم في قصة أحدب روتردام تظهر لي بفصولها و ذلك عبر روايات فيكتور هيجو . و القائمة تطول و حديث الأدباء يعود للذاكرة عندما تزور أرضهم التي تغنوا فيها أو رسموا لوحتهم فيها .



في باريس ... اعتمدت على برج إيفل , و اتكأت على قوس النصر , و أستظليت بأشجار جادة الشانز , و ركبت قطارات الأنفاق , و تمتعت برؤية القصور و الدور , و كل ذلك و كأني بوسط مدينة تاريخية , أو بحديقة مصغرة للمعالم العالمية .

في باريس ... رأيت الطوابير الهائلة و التي تنتظر عند أبواب صالات السينما المشهورة , فالناس يتجمعون بساعة محددة ليقطفوا تذاكر العرض القادم و ليكونوا في المقدمة , فيختاروا الأماكن المناسبة . لم أكن عاشقاً لسينما , و لم أكن مهتماً بهذا المجال , لذا أفرح عندما أراهم طوابير طويلة , فأعتقد أن ذلك سوف يخفف علي الطوابير الأخرى من المطاعم و المعالم الشعيرة من باريس خاصة في مثل هذه الأيام المزدحمة .



في باريس ... البشرة الفرنسية مميزة , فليست هي كبشرة الألمان بيضاء لدرجة عالية , و ليست كالأيرلنديين مشربة بحمرة , و ليست كالإيطاليين برونزية , بل هي خليط من هؤلاء جميعاً , بياض برونزي بحمره , فهم لهم ملامح خاصة , وجه دائري و تجد مسترسلاً عليه شعر قد صف بعناية .

[/img]




في باريس ... وجوه سمراء و بيضاء , شباب و كهول , أغنياء لدرجة الترف , و فقراء لدرجة تحت الصفر, صخب و هدوء, فخامة و حاجة , قصور تاريخية و أثرية و بيوت قديمة و مهترءة , أحياء راقية و أحياء وضيعة . هناك طرفي الحياة الأسود و الأبيض , السالب و الموجب . الحياة و الموت , القديم و الحديث , هناك المتناقضات مجتمعة , كالفرق بين الليل و النهار , كالفرق بين الغروب و الشروق . كالفرق بين الشرق و الغرب . لا تستغرب أن أكون قد كررت مثل هذا الحديث مرة أخرى , فقصدي أن المتناقضات كثيرة , فأردت أن أأكدها مرة أخرى , و لعلي في كل مرة أعيدها وذلك لظني أنني لم أصف متناقضاتها بالشكل المطلوب .

في باريس ... تتسلل النسمات من بين ثيابي لتداعب جسدي , و تنزل قطرات الندى على خدي لتنعش وجهي , و تنزل مناظر الطبيعة على عيني لأمتع بصري بروائع المناظر من حولي . و أسرح بفكري فأخترق حصون , و أفك شفرات , و أحل عقد , و أحلل نفسيات , و كل ذلك من أجل أن أفهم طبيعة هذا الشعب الذي أعيش بينهم , و أنظر ماهو أثر معيشتهم وسط تلك التحفة الفنية على تصرفاتهم . و أجمع أثر هذه النعمة من الطبيعة و الهواء النقي على حركاتهم و سكناتهم و أعمالهم . كل ذلك حاولت أن أفهمه خلال فترتي القصيرة التي أقمتها هناك , و أعتقد أنني لم أحيط بكل شيء أريده , و أتمنى أن أكون أستطعت أن أحيطكم ببعض الذي أحطت به , ابتسموا إن كنتم لم تفهموا ما أريد ... فحتى أنا أحس أنني لم افهم نفسي بالشكل الذي أريده...لذا سوف ابتسم ..

في باريس ... مررنا بميدان البانثيون و قد نزلت وسطه كنيسة البانثيون , و هي بالقرب من الحي اللاتيني و قد خصصت كمقبرة للعظماء من الأولين و الآخرين , و بالقرب منها جامعة السوربون و بمواجهة حديقة لكسمبورغ .

في باريس ... أو كما ينطقها أهلها " باغي " , أو كما ينطقها بعض العرب " بباريز " , أو أنطقها بأي شكل يعجبك , و لكن سوف تعجب بأشياء كثيرة , و سوف تجد ماوجدت ,فقد وجدت أشياء عظيمة و مهولة , فعندما أمر من جانب برج إيفل فإنني أتعجب من صنع المصمم إيفل و أقول : ياله من رجل خارق . و عندما أمر من جانب قوس النصر أتأمل التصميم و عمل الفنانين , و أتعجب من جمال رسمهم , و عظيم نحتهم , و كمال عملهم . و عندما أمر بالقبب المزخرفة , و الأقواس المذهبة التي تعتلي القصور و الكنائس فإنني أتأمل ماتحتويه من عمل رائع يدل على إتقان غير مسبق فأقول في نفسي : لقد قاموا بعمل لن يقدر عليه أحد غيرهم . هذا يحدث في باريس ...أما مايحدث لي عندما كنت في زيلامسي النمساوية أو إنترلاكن السويسرية , فقد كنت أمر بالطبيعة الفاتنة , فأجد أن الشلالات تنساب من أعلى الجبال , ثم تتهادى على أرض خضراء , فأقول : سبحان الله , و عندما أرى الطيور مع البكور تخرج لتلتقط رزقها و تبحث عن قوتها , و هي تنشد التسابيح بشكل عجيب ..فأقول : سبحان الخالق الرازق , و عندما أجد جبال الألب و قد امتزجت بألوان الطبيعة , فقمم بيضاء ناصعة, ثم غابات كثيفة متماسكة , و من بعدها هضاب ممتدة خضراء رائعة , فأجد نفسي و بدون شعور أقول : اللهم إني أسألك الجنة , هذا الفرق الذي يجعلني أحب الطبيعة التي خلقها الله سبحانه و تعالى فتراءت لي بأجمل حلة , و تجعل الإنسان يعود إلى خالقة كل برهة , و يعود إلى فطرته التي خلقه الله عليها , هذه الطبيعة أفضلها و أسبح في رحابها , لذا لن أستطيع أن أقارن أو أحب باريس التي هي صنع البشر , كما أحب الأرياف و الطبيعة و ما تحتويها و التي هي صنع الله المباشر .

باريس ...تحدثت عنها كثيراً في موضوعي هذا فلا يعتقد البعض منكم أنني رحال , أو عالم بكل الأحوال , أو زائر البلدان و الأمصار , أو الخبير الذي لا يشق له غبار , إنما هي معلومات شحيحة , مزجتها بكلمات ضعيفة , و خلطتها بصور طفيفة , فكانت الخلطة التي ترون أمامكم .

باريس ...هي كالبلدان التي زرت , أنسى كل الأسعار التي بها أكلت , أو سكنت , أو شربت , و أنسى كل أسعار التذاكر للطيران أو القطارات , أو المتاحف , ولا أحرص على تسجيلها , لأنني عندما أمضي بعض الوقت بالتسجيل ,فكأنني أقوم ببحث سوف أقدمه لمنظمة الأمم المتحدة , بل أن لدي قاعدة أن الذي تنساه لا يستحق أن تذكره , فيكفيني المتبقي من المشاهد الجميلة التي أختزنها في صدري .

في باريس ... أختر ما يعجبك , و تفحص رغباتك و هواياتك و محل عشقك و من معك في رحلتك , فلست ملزماً أن تقضي الساعات الطوال في الطوابير من أجل أن تقف على لوحة الملونيزا ثم تقف بضع ثواني و تنسحب , و لست ملزماً أن تذهب إلى كل المعالم و هي لا تروق لك , أختر مايناسبك , فلست ملزماً أن تذهب إلى مدينة ديزني لاند ثم تعظ أصابع الندم على وقت قضيته هناك , و لست ملزماً أن تجلس في جادة الشانز ثم تتململ من أشياء لا تعجبك . و لست ملزماً أن تذهب إلى كل سوق ثم تحس بالضجر , أختر ما يجلب لك السعادة , فإن كانت السعادة أن تستلقي في الفندق من الصبح إلى المغرب فافعل ذلك و بلا حرج ..

باريس ...كررتها كثيراً في حديثي في هذا الموضوع " باريسيات " فلا يعتقد البعض أنني مليونير أو ملياردير , أو تاجر كلمة أنطق الحروف مفخمة , بل أنا إنسان بسيط , سمع الناس يحكون عن جمالٌ فتون , و رأى الناس يسيرون إلى بلد الفنون , فآثر أن ينقل لكم صورة من هناك . فلست من أصحاب مقاهي الشانز , أو نزلاء فندق جورج الخامس , أو مرتادي مقاهي الفوكيت , أو من توقفت به طائرته الخاصة بمطار شارديقول , أو أتى ليأخذ نزهة بعد أعمال تجارته لمدة سنة , أو جاء ليستمتع ببرهة من الوقت بعد أن قضى الكثير من مشاغله في مجلس إدارته . إنما أنا إنسان بسيط , أنتظر آخر الشهر المهية , و فرحت بزيادة الخمسة بالمية , و منذ يومين كان عشائي طعمية . أنا إنسان بسيط و لكن أستغليت ظروف الدراسة أو الدورات العملية لأطلع على تلك البلاد . فبحثت عن ارخص الفنادق , و أكثر التنقلات توفيراً للدرهم و الدينار . و قارنت بين سعر التفاح في بيتي و سعرها في جادة الشانز , و عملت حسبة بسيطة فوجدت أنني لا آكلها في بيتي فكيف أنفق عليها يوروات عديدة في تلك البلاد البعيدة . هناك أعطي نفسي حقها و لكن بما يتناسب مع ميزانيتي التي خصصتها لها , فلا إسراف و لا تبذير . لا مفاخرة و لا تقتير .

في باريس ... تغرب الشمس في فصل الشتاء بوقت مبكر , فأمضيت أول الليل في طرقات و متاجر باريس , فلما رأيت الناس يكثرون في ليل باريس عدت إلى فندقي . ألقيت تحية المساء على شاب تونسي وسيم يقف على منصة الاستقبال , فرد و بابتسامة مرسومة و بدقة على وجهه و هو يصرفها متجددة لكل زبائنه , اتجهت إلى المصعد , فتحت غرفتي , أمضيت بعض الوقت , اتجهت إلى مفتاح الأنوار , فأطفأت الأنوار . فأطفأت آخر شمعة عن مدينة النور , و ( تصبحون – تمسون ) على خير .

عذراً تبقى فقرة واحدة هل من الممكن أن أكملها - أعانكم الله على فقراتي -....فأقول :
في باريس ... أستلقيت على جنبي الأيمن في سريري , فهو كما تعلمون صغير جداً و مناسب جداً لأن تطبق السنة عند النوم على الجنب اليمن . ثم سحبت علي لحافي , فبدأت أحلم بأحلامكم . و ما عساي أن أقدمه لكم . فأقول في نفسي سوف آخذ كل ما أذكره من جميل الذكريات و أسكبها في قلوبكم , سوف أجعلكم تمشون معي في طرقات باريس فأحس بأنفاسكم , و أسير بين سيقان الغابات , و أغصانها , و مروجه فأخاف أن يخدشكم بعض أطرافها . سوف أركب معكم قطارات الأنفاق و أرفع صوتي من أجل أن أسمعكم لحني , و سوف أرافقكم بحروفي إلى حدائق الزهور , و أقطف لكم بعض زهورها لتنشر العطر في صدوركم , و سوف تجدونني بزاوية من زوايا مقاهي باريس أتأمل الكون من حولي فأصفه لكم بشوق , و رغبة , حتى تتصوروه بالشكل الذي يجعلكم تتلمسوه بين أيديكم , و سوف أحاول أن أنزل عند عشقكم حتى أحبه أكثر منكم , و أصل إلى رغباتكم حتى أكتبها لكم كما تستهويه أنفسكم , و أبحث عن مكان هواياتكم و أروي الحكايات المنسوجة عنها لتعجبكم , سوف أجعلكم تبتسمون , ثم أغير الترنيمة فتضحكون , ثم أختار إيقاعات أخرى فتقهقهون , ثم أمر بكم على حياة البؤس فتحزنون , ثم أغير عزفي على أوتار جديدة من أوتار التاريخ أو المعالم فتنبهرون . كل ذلك من أجل أن أنوع لكم في قوالب الحياة الباريسية , كل ذلك من أجل أن أجعلكم تشاهدون باريس بحرفي و لكن بمايوافق عشقكم , و بما تحبه عيونكم . لقد كانت هذه أحلامي على سريري في باريس , فلقد عزفت بكل ما أوتيت من قدرة , فهل وافق عزفي ذائقتكم , أشك في قدرتي على ذلك .....و لكن بقي شيٌ لا أشك فيه " حبكم "
في باريس ... انتهت الحلقات و بقي نسيم نجد , حزيناً على فراقكم
نسيم نجد
إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
·~-.¸¸,.-~باريسيات ( الحلقة الأخيرة ) ·~-.¸¸,.-~ نسيم نجد الأرشيف العام للبوابة الفرنسية 22 23 / 11 / 2009 36 : 08 PM


المواضيع ، تعبر عن رأي كاتبها ويتحمل مسؤوليتها فقط ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة ومنتديات زاد المسافر .