إضافة رد
13 / 09 / 2008, 44 : 01 PM
رقم المشاركة :  1 
كـبـار شـخـصـيـات الـمـوقـع



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 06 / 08 / 2007
رقم العضوية : 285
الإقامة : آخر حدود الوطن
المشاركات : 498
التقارير : 2
الجنس : ذكر
الحالة : أديب الأندلس غير متواجد حالياً
جامع قرطبة .. التحفة الخالدة











في طريقنا إلى قرطبة , أدركتُ أننا ولجنا كتاب التاريخ العربي في أوروبا, وكان يحلو لي وأنا أتابع اللافتات على الطريق أن أخمِّن نطق أسماء المناطق والمدن والقرى الصغيرة التي عبرنا بها, وأن أردَّ هذه الأسماء إلى أصولها العربية, قبل أن تحرِّفها السنون, وتحرقَ أطرافَها الأحداثُ, وتغيرَ مكامنَ الحميمية فيها حروف الأبجدية الجديدة.


كنت أنوي ألا أحدثكم عن الماضي, لكنني وجدتُه يختبئُ في عباءةِ الحاضر, ولا يكادُ يعيشُ دونَه, وحين تلوحُ في الأفق سفوحُ جبال قرطبة ; التي تتفرع من سلسلة جبال سيرا مورينا, يذكِّرُني بدءُ هطول المطر بقصة فتح هذه المدينة, حين جاءها ليلا قائدٌ أرسله طارق بن زياد اسمه مغيث الرومي, وكانت حامية قرطبة ـ التي فاجأها المطرُ والبرد القارس ـ قد أغفلتْ حراسة سور المدينة, فلم يفيقوا إلا وهي تحت إمرة العرب, ولتصبح المدينة بعد ذلك وفي عام 138 هجرية حاضرة دولة الإسلام في الأندلس, حين أسس الأمير عبد الرحمن بن معاوية ـ عبد الرحمن الداخل ـ دولة بني أمية في الأندلس, ولتصل في عصر الخلافية الأموية, بين عامي 316 و400 هجرية, إلى مستوى من الرخاء لم تشهده من قبل في العصور السابقة.


تعلو موسيقى السيارة حينا, حين تصعد بنا التلال, وتنخفض كلما هبطت السيارة الوهاد, وكأنها راقصة فلامنكو على خشبة مسرح سجَّادُه أخضر. الفلامنكو فن تحتسيه المدن الإسبانية مع خبز الحياة, ربما منذ الطفولة. سنشاهدُ في إحدى الأمسيات فتاة في العاشرة تؤدي أدوارا حماسية, بمروحة تقليدية, وثوب أبيض له ذيلٌ طويل, تعبِّر بقوة عن نفسها في حركات تستعيد بها تاريخ أجيال من الرقص التقليدي. فَتَاة مِنْ كِتَابِ الأندلس. لمْ يرَهَا قبلَ الليلة. لكن الأقدام ستنسجُ في رقصتِها إيقاعًا ظلَّ يحلمُ بهِ قبلَ أنْ يولدَ لعلَّ العرقَ الذي تدَحْرَجَ قطرةً, قطرة, مثل نهر الذهب, فوق الوجه البرونزي تبخرَ منْ فلج حَفرَه جدُّه قبل ألف عام في قرطبة . لعل الموسيقى التي حرَّكتْ الجسدَ إلى حافةِ المسرح والقلبِ كتبها زريابٌ في لفافة خبأتها شاعرة عاشقة في قميص التاريخ. ولعلَّ الثوب الذي ترتديه من شجرةِ قطن نبتتْ بذرتُها في الشرق قبل أن يحملهَا فارسٌ عبر المضيق. لا أذكرُ غيرَ اسم الرقصة; فلامنكو فمن منكم يتذكر فَتَاة مِنْ كِتَابِ الأندلس؟



كنت حريصًا قبل السفر ألا يأسرني تاريخ المدينة, حتى لا أظل عند حافته أستدرُ عطفَه, وأستعيدُ بهاءه, وألا أبكي على الأطلال, كي لا أفعل مثل معظم زائريها العرب كل يوم. لكنها كانت أقوى, مثل كل بقاع الأندلس التي تذكِّرُك بأن لك فيها حجرًا ينطق باسم أحد أجدادك, من العلماء والفلاسفة, والفنانين والشعراء, والموسيقيين والبنائين, وسواهم ممن شكلوا أزهى عصورها.



نصل إلى مسجد قرطبة الجامع, وهو -أو كان- أكبر مسجد في العالم الغربي على الإطلاق, بمساحة تصل إلى 24 ألف متر مربع. خريطة المسجد الكاتدرائية المتحف تضم تخطيطا للأثر مختلف الألوان, ويدل كل لون بالخريطة على مرحلة مختلفة من مراحل بناء أو توسعة شملت المسجد عبر العصور المتعاقبة, التي واكبت اتساع مدينة قرطبة . كان عبد الرحمن الثاني هو صاحب التوسعة الأولى , وهو الجزء الذي شمله أكبر تغيير عند إنشاء الكاتدرائية, بداية من سنة 1523 ميلادية, وتقع اليوم في قلب المسجد تمامًا, وتحمل بذخا وترفا معماريا حاول أن يبهر العين فيصرفها عن معمار المسجد, دون جدوى. أما التوسعة الثانية فنفذها الحكم الثاني, بين عامي 961 و966 ميلادية, فيما قام المنصور بالتوسعة الثالثة في العام 987 ميلادية.



ندخل حيث مكان الزيادة الثالثة وهي التي ضاعفت حجم المسجد باتجاه النهر, أي نحو الجنوب, حيث أزيل جدار القبلة, لينقل قرب ضفة الوادي الكبير, وليبنى سور يحجز المسجد عن الشارع المبلط, أو الرصيف الذي كان منتزه أهل قرطبة مثلما هو اليوم, حيث شيدت صارية ونافورة وتماثيل جديدة جعلت للمنتزه روحا كنسية, تضاء الشموع أمام قديسيه, طلبًا لمحبة مفتقدة, أو مغفرة مرتقبة. ثم نميل حيث زيد المسجدُ للمرة الرابعة. وقد شيد المعمار على طراز بقية المسجد ذاته, بأقواس مزدوجة, أقواس من الحجر الأبيض والطوب الأحمر, كما شيد للمرة الأولى على نسق المسجد الأموي في دمشق. نمشي نحو المحراب المسيج, وقد قام البهو المفضي إليه على أعمدة وقوائم مزدوجة, فوقها قبة تستند على عصبات من الحجر, وهو الطراز الذي غزا أوربا وعرف فيما بعد باسم الطراز القوطي, بأعمدته وعقوده المدببة, التي تقوم عليها قبابه. المحراب مثل غرفة من الرخام سقفها قطعة واحدة, كأنها محارة, مع بروز التناسق بين قبته والعروق التي تدعمها, ومما يذكر أن هذا المسجد كان من بين المساجد التي يقتصر التزيين فيها على مساحات محددة, غير الجامع الأموي في دمشق مثلا.





وإذا كانت الأعمدة القرطبية في المسجد هي رمز العمارة الإسلامية التي سادت آنذاك, فإن المئذنة الضخمة الشاهقة بفرادتها المربعة التصميم هي رمز المدينة كلها بلا منازع, حتى بعد أن زال منها ما كان يزين رأسها من كرات الذهب والفضة, وبعد إضافة الأجراس إليها. ولا تزال أشجار النارنج تنمو في الصحن, مثلما تنمو في صحون بيوت كثيرة زرناها في قرطبة , وقد تجد على الأرض ثمارًا أينعت وحان قطافها, فلما لم تمتد إليها يدٌ, سقطت بمفردها كانت المقتنيات في المسجد الكاتدرائية المتحف تعبِّر كلها عن التاريخ الرسمي, إلا في مجموعة من الإطارات الزجاجية, ولن أترككم تخمنون كثيرًا, فقد احتوت هذه الإطارات على أسماء بناة المسجد; مئات من الأسماء والتوقيعات والخربشات, نقلها الإسبان من على الأعمدة ـ حيث نقش العمال أسماءهم حفرًا ـ على قوالب من الجبس الأبيض: عبد الله, مسعود, سعد, نصر, كمال, يوسف,... وحروف وعلامات ورموز يتوه منها المعنى. لكن ذلك كله كان يحمل بصمات المجهولين الذين مضوا وأرادوا أن يتركوا وراءهم أثرًا لمن يقتفي



وما أود إضافته حول النقوش المزينة للأقواس التي تعلو أبواب المسجد, أنها تؤكد القيمة الجمالية للحرف العربي, بمرونته, وطوعه التشكيلي للزخرفة, مثلما تبرز التوريقات أو الزخارف النباتية ثراء الطبيعة القرطبية بشكل خاص والأندلسية بشكل عام, سواء في المراوح النخيلية, الكاملة أو أنصافها, والزهور ومصغراتها, والفروع والسيقان, والفصوص التي تنبسط, وتنكمش, وتنثني, كأن في الحجر حياة حين تلمس بروزها. وترتكز هذه النقوش على موجات من لفائف نباتية, كأنها مهاد لكائنات الحروف العربية الحية, التي يجملها التماثل والتناظر, وخاصة فيما يعكس التكوين الأيسر صورته اليمنى, ولا شك أن الطرز المعمارية في الغرب قد شربت من وعاء الزخرفة هذا حتى ارتوت.



النص بقلم: أشرف أبو اليزيد
(منقول بتصرف)





13 / 09 / 2008, 10 : 03 PM
رقم المشاركة :  2 
مــراقـب عـام
{مؤسس}



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 15 / 01 / 2008
رقم العضوية : 1001
الإقامة : نادي الهلال
المشاركات : 20,290
الجنس : ذكر
الحالة : أبوفيصل غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

موضوع رائع يستاهل النقل
يعطيك العافيه مشرفنا الرائع
أستغفر الله العظيم من جميع الذنوب
http://www.binbaz.org.sa/mat/11422



14 / 09 / 2008, 53 : 03 AM
رقم المشاركة :  3 
][::.. درجة الأفق ..::][



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 01 / 06 / 2008
رقم العضوية : 1653
الإقامة : bah
المشاركات : 347
الحالة : ~ ذوق ~ غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

موضوع قيم

يحتوي عالكثير


جزاك الله خير عالنقل الرائع
02 / 10 / 2008, 51 : 07 PM
رقم المشاركة :  4 
كـبـار شـخـصـيـات الـمـوقـع



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 06 / 08 / 2007
رقم العضوية : 285
الإقامة : آخر حدود الوطن
المشاركات : 498
التقارير : 2
الجنس : ذكر
الحالة : أديب الأندلس غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

شكرا مشرفنا القدير على المرور


أختي ذوق شكرا على المرور و كلك ذوق
10 / 12 / 2008, 05 : 02 AM
رقم المشاركة :  5 
][::.. مسافر جديد ..::][



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 08 / 10 / 2007
رقم العضوية : 433
الإقامة : المملكة العربية السعودية
المشاركات : 24
الحالة : الركن الهادئ غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الغالي .. وفقت في الإدراج هنا ..

مقال رائع لذلك الارث التاريخي تلك التحفة المعمارية التي لا زالت شاهدا على تلك الحضارة الإسلامية التي شيدها بنو أمية في الأندلس ..

مودتي أخي الكريم
10 / 12 / 2008, 42 : 08 AM
رقم المشاركة :  6 
كـبـار شـخـصـيـات الـمـوقـع



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 30 / 06 / 2007
رقم العضوية : 139
الإقامة : الامارات
المشاركات : 2,022
التقارير : 7
الجنس : ذكر
الحالة : الرحال غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

تسلم اخوى على النقل
30 / 08 / 2010, 59 : 01 AM
رقم المشاركة :  7 
مــراقـب عـام
{مؤسس}



الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : 24 / 06 / 2007
رقم العضوية : 44
الإقامة : زاد المسافر
المشاركات : 56,705
التقارير : 6
الجنس : ذكر
الحالة : أبوعبدالعزيز غير متواجد حالياً
رد: جامع قرطبة .. التحفة الخالدة

بارك الله فيك مشرفنا اختيار جميل للنقل
إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
أليانز أرينا ملعب البايرن التحفة الرائعة . عدول الجهني بوابة الزاد لمقاطع الفيديو 2 22 / 04 / 2014 02 : 07 AM


المواضيع ، تعبر عن رأي كاتبها ويتحمل مسؤوليتها فقط ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة ومنتديات زاد المسافر .